كان العرب قبل الإسلام قد اهتموا كثيراً بضبط الأنساب ومعرفتها وتفاخروا بها وتعصبوا للقبيلة, وقد ظهر ذلك جلياً في شعرهم ونثرهم, وتاريخ الأدب العربي الجاهلي زاخر في هذا الباب.
وقد جاء الإسلام مؤيدا لما كان عليه العرب من حفظ للأنساب ولكن لا على أساس التفاخر والعصبية القبلية بل على أساس من التعاون وصلة الرحم .
قال تعالى :{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم }.
وقد تواترت الأحاديث عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحث على تعلم الأنساب وحفظها.
قال صلى الله عليه وآله وسلم: {تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم } مسند احمد بن حنبل 2/374.
وقد انتسب عليه الصلاة والسلام فقال:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
وساق نسبه إلى عدنان ولم يتجاوزه.
النسب هو سبب التعارف وسلم التواصل, به تتعاطف الأرحام الواشجة وعليه تحافظ الأواصر القريبة.
ومن لم يعرف النسب لم يعرف الناس ومن لم يعرف الناس لم يعد منهم.
ومعرفة الأنساب هي من أعظم النعم التي كرم الله بها عباده, لأن تشعب الأنساب على افتراق القبائل والطوائف هي من احد الأسباب الممهدة لحصول الائتلاف, وكذلك اختلاف الألسنة والألوان والصور.
إن في علم النسب ما هو فرض على كل احد, وما هو فرض على الكفاية, وما هو مستحب على ذلك.
فمن ذلك, أن يعلم أن محمد رسول الله هو ابن عبد الله الهاشمي, وان يعرف من يلقاه بنسب في رحم محرمة ليتجنب تزويج ما يحرم عليه منهم, وان يعرف من يتصل به ممن يرثه أو يجب عليه بره من صلة أو نفقة أو معاونة.
ولا خفاء أن المعرفة بعلم النسب من الأمور المطلوبة والمعارف المندوبة لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية والمعالم الدينية.
ومن تلك الأحكام:
المعرفة بنسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم , و التعارف بين الناس حتى لا يعزى احد إلى غير آبائه, ولا ينتسب إلى سوى أجداده وعلى ذلك يترتب أحكام الورثة.
وأحكام الوقف إذا خص الواقف بعض الأقارب أو بعض الطبقات دون بعض . وأحكام القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية قتل الخطأ.
ومنها اعتبار النسب في كفاءة الزوج للزوجة .ومنها مراعاة النسب الشريف في المرأة المنكوحة.
فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
{ تنكح المرأة لأربعة , لدينها , ولحسبها , ومالها , وجمالها }. فراعى عليه الصلاة والسلام في المرأة الحسب .ولولا المعرفة بعلم النسب لفات إدراك هذه الأمور وتعذر الوصول إليها.
لقد وهمَ من ظن أن الإسلام صرف الناس عن مثل هذه الأمور , فان الذي نجده في نصوص القرآن الكريم يشير بأكثر من طريقة إلى هذه الناحية , بما هي جديرة به من عناية ورعاية . وقد يكون من بعض ذلك مسائل الميراث وأحكامه وغيرها من الأمور التي سبق ذكرها .
غير أن الإسلام التزم في التفاضل بين منازل الناس قواعد أكثر دقة وسلامة مما كانت الناس تتعلق بها في الجاهلية الأولى. وأما ما ورد في كتاب الله من إبطال الأنساب يوم القيامة فليس المراد بذلك إلا الإشارة إلى تشاغل كل فريق من الناس بخاصة نفسه عمن سواه من جراء عظم البلوى وتأزم المحنة يوم استعراض الناس بين يدي الله ومثل ذلك
قوله تعالى: { يوم لا ينفع مال ولا بنون }.
وقد جاء هذا على وجه المقابلة بين أحوال الناس في الدنيا وأحوالهم في الآخرة .
وعلى هذا فلا مطعن لطاعن في مباحث الأنساب .وقد قال رب العزة والجلال في كتابه الكريم بصراحة جلية : { الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً }. ومما لا شك فيه أن هناك تفاوت واختلاف في ذاتيات الأشياء ومكوناتها( وهو أيضا حال من أحوال النسب )
فكم من قبائل تفسخت وانقرضت لفساد فيها كقوم عاد وثمود وجديس . وكم من قبائل
تكونت واستمرت على مدى الأزمان وتلك سنة الله في خلقه .وان سر البقاء وديعة سماوية
في ذات الأشياء
ومكونها فالحديد مع بأسه وشدته يُعدم فيصبح تراباً بفعل التآكل لعوامل التفسخ والفساد فيه والذهب مع لينه ومرونته لا يغيره شيء ويبقى ذهباً كما هو , وكلاهما من المعادن وإنما يختلفان في الجوهر وهذا هو الأمر بالنسبة للنسب الشريف النقي الطاهر ألا وهو نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونسب آل بيته الأطهار فقد : قال صلى الله عليه وآله وسلم :{كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي } . رواه البيهقي والحاكم في المستدرك 3/142 وغيرهما.
والسر في بقاء هذا النسب واستمراره وعدم انقطاعه إلى يوم القيامة هو في ذات هذا النسب نفسه فإنه نسب نقي نظيف طاهر ومطهر من الوصوم والعيوب وبريء من ارجاس الجاهلية وانجاسها فلو كانت الاحساب والأنساب الأخرى مهددة بالانقطاع والزوال فإن هذا النسب مصون من عاديات الأيام وتقلبات الزمان وسر هذا النسب الرفيع أنه كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم فان هذا النسب هو خلاصة خلاصة الأكوان .فقد قال (ص) : {إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى من كنانة قريشاً . واصطفى من قريش بني هاشم . واصطفاني من بني هاشم } صحيح مسلم ج2ص310
لذلك ينقطع كل حسب ونسب حسب النواميس الطبيعية ولا ينقطع حسبه ونسبه صلى الله عليه و آله وسلم لأنه نسب نقي طاهر من جميع الوجوه. |